مصدرالمستهلك من الرياض

أظهر أحدث بيانات وزارة العدل المتعلقة بتعاملات السوق العقارية المحلية حتى منتصف العام الجاري، تسارع وتيرة ارتفاع الأسعار السوقية للأراضي في أغلب المدن والمحافظات، وتسجيلها مستويات قياسية وغير مسبوقة خلال العامين الأخيرين، وهو الأمر الذي أصبح ملموسا ومنظورا بالعين المجردة لدى الجميع، سواء لدى المستثمرين والمضاربين والمطورين العقاريين وبقية الأطراف العاملين في القطاع العقاري، أو لدى المستهلكين الذين يمثلون الطرف الأكبر تحملا لأعباء ذلك التضخم المتصاعد في الأسعار، الذي شمل الأراضي ومختلف المنتجات السكنية والتجارية والصناعية والخدمية على حد سواء.
أصبح معلوما أن تضخم أسعار الأصول على اختلاف أنواعها، قد تحول إلى ظاهرة عالمية عمت جميع الاقتصادات والأسواق حول العالم، بالتزامن مع اندفاع البنوك المركزية نحو خفض معدلات الفائدة، وقيامها بأكبر عمليات تيسير كمي في تاريخها الطويل، وضخ التريليونات من الأموال في الاقتصادات التي تعمل فيها، تحفيزا لنشاطات الاقتصاد في مواجهة تداعيات الجائحة العالمية لفيروس كوفيد – 19، واليوم يمثل التضخم الموضوع الأول على طاولة صانعي السياسات النقدية والمالية والاقتصادية في جميع الاقتصادات حول العالم، لدراسة الخيارات المتاحة الكفيلة بالتصدي لمخاطر التضخم على الاقتصادات، ومحاولة السيطرة عليه دون التأثير سلبا في مسار تحفيز النمو الاقتصادي المنشود الذي كان الهدف الأول لسياسات البنوك المركزية حول العالم، مع يقين علمها أن جزءا من تلك السيولة سيتدفق حتما إلى مختلف أسواق الأصول الاستثمارية، ويتسبب في تشكيلها لفقاعات سعرية كبيرة.
تقف البنوك المركزية اليوم – أمام تضخم زاحف كانت هي أول وأكبر من أسهم في تشكله لأسباب مرتبطة بالأزمات التي واجهها الاقتصاد العالمي – في موقف بالغ الصعوبة، هل تستمر في خفض معدل الفائدة وضخ السيولة لأجل تحفيز النمو الاقتصادي؟ أم تبدأ في تحريك المعدل تدريجيا نحو الأعلى وتحد من وتيرة التدفق الهائل للسيولة كبحا للتضخم؟ إنه الموقف الأكثر صعوبة، الذي وصفه بدقة بالغة المفكر الاقتصادي NOURIEL ROUBINI في مقاله الأخير “أزمة ديون الركود التضخمي الوشيكة”، بقوله: “ستكون البنوك المركزية ملعونة إذا تحركت وإذا لم تتحرك، وسيكون عديد من الحكومات شبه معسرة وبالتالي غير قادرة على إنقاذ البنوك، والشركات، والأسر. وستتكرر حلقة الهلاك التي التهمت الهيئات السيادية والبنوك في منطقة اليورو بعد الأزمة المالية العالمية في مختلف أنحاء العالم، ولن تسلم منها الأسر، والشركات، وبنوك الظل”.
هنا قد يقول قائل، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتركز الحديث هنا على تضخم أسعار الأراضي؟ ما دام التضخم ظاهرة عالمية امتدت آثاره إلى الجميع دون استثناء، وهو سؤال مشروع، يمكن الإجابة عنه باختصار شديد وموضوعية تزيل عنه اللبس تماما، اعتمادا على جانبين رئيسين. الجانب الأول: أن تضخم أسعار الأراضي والعقارات محليا، كان قائما قبل الظاهرة العالمية لتضخم أسعار الأصول الاستثمارية والأراضي والعقارات، ولهذا قامت الدولة – أيدها الله – باتخاذ عديد من السياسات والإجراءات المضادة لهذا التضخم، يأتي في مقدمتها إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، الذي أعلن البدء بتنفيذه في منتصف 2016.
الجانب الثاني: أن التضخم محليا في أسعار الأراضي والعقارات فاق مستوياته خارجيا، حيث لم يتجاوز أعلى معدل ارتفاع في أسعار العقارات السكنية عالميا خلال 2020 سقف 16 في المائة، المسجل في لكسمبورج وفقا لبيانات بنك التسويات الدولية BIS، وسجل خلال العام نفسه على مستوى منطقة اليورو ارتفاعا بنسبة 6.1 في المائة، وارتفاعا بنسبة 6.6 في المائة في الاقتصادات المتقدمة، وارتفاعا أدنى بنسبة 1.9 في المائة في الاقتصادات الناشئة، وأخيرا سجل ارتفاعا بنسبة لم تتجاوز 4.0 في المائة كمتوسط عالمي خلال العام نفسه، ويمكن للقارئ الكريم المقارنة بين تلك النسب لارتفاع العقارات السكنية مع مثيلاتها محليا، التي تخطت كثيرا تلك المعدلات من الارتفاع.
سبق الحديث كثيرا عن العوامل الرئيسة التي وقفت خلف الارتفاعات القياسية لأسعار الأراضي والعقارات محليا “النمو القياسي للقروض العقارية خلال 2019 – 2021، توقف نظام الرسوم على الأراضي البيضاء عند مرحلته الأولى طوال الفترة 2017 – 2021″، والحديث أيضا عن الآثار العكسية لذلك التضخم على الأداء الاقتصادي عموما، وعلى القطاع الخاص والمستهلكين، حتى على قطاع التطوير العقاري، والتأكيد مجددا أن أولى الخطوات الفاعلة لمعالجة تضخم الأسعار عقاريا، تبدأ بصورة كبيرة من تفعيل أكبر وأوسع لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء، والتقدم بوتيرة أسرع من حيث تنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة، وهو ما تؤكده في الوقت ذاته النتائج المتدنية لتطبيق المرحلة الأولى طوال الأعوام الماضية، التي لم ينتج عنها إلا تطوير نحو 13.8 مليون متر مربع، من إجمالي نحو 435 مليون متر مربع كمساحة لإجمالي الأراضي البيضاء المشمولة بالنظام في كل من الرياض وجدة ومكة المكرمة والدمام، أي: بما لا تتجاوز نسبته 3.2 في المائة من الإجمالي.
إنها النتائج التي لا تتوافق مع الأهداف الثلاثة الرئيسة لإقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء التي تتمثل في: (1) زيادة المعروض من الأراضي المطورة بما يحقق التوازن بين العرض والطلب. (2) توفير الأراضي السكنية بأسعار مناسبة. (3) حماية المنافسة العادلة ومكافحة الممارسات الاحتكارية. وهي الأهداف التي تشكل المعيار الرئيس لقياس كفاءة التنفيذ مقارنة بالنتائج المتحققة، والتأكيد المستمر أنه كلما اقتربت النتائج على أرض الواقع من الأهداف الرئيسة للنظام، عنى ذلك جودة التنفيذ وارتفاع كفاءته، ولعل المقارنة بين مضمون الهدف الأول “زيادة المعروض من الأراضي المطورة” من جانب، ومن جانب آخر ما تحقق من تطوير للأراضي المشمولة بالمرحلة الأولى من النظام التي لم تتجاوز نسبتها 3.2 في المائة حسبما يظهره أحدث بيانات برنامج رسوم الأراضي، كافية جدا للاقتناع بأهمية الإسراع في استكمال بقية المراحل، وقس على ذلك فيما يتعلق بالهدفين الثاني “توفير الأراضي السكنية بأسعار مناسبة”، والثالث “حماية المنافسة العادلة ومكافحة الممارسات الاحتكارية”، ومقارنتها بالقائم على أرض الواقع، لتؤكد جميعها أهمية التقدم بخطى أسرع وأكبر على طريق تنفيذ بقية مراحل النظام، وتوسيع نطاقها بالآلية الفاعلة التي تكفل تحقيق أعلى قدر من الأهداف الرئيسة للنظام.

نقلاً عن الاقتصادية

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here