مصدرد. نعمت أبو الصوف

مع بداية عام 2021، بدأ الاقتصاد العالمي مرحلة اقتصادية جديدة، بدأت معها دورة ارتفاع كبيرة للسلع عموما بما فيها النفط. يعتقد بعض المحللين، أن العالم قد يسير في اتجاه دورة ارتفاع للأسعار أو بما يسميه البعض دورة فائقة Supercycle ويقصد بها اتجاه أسعار السلع نحو الصعود المستمر. حيث ارتفعت أسعار السلع في الأشهر الأخيرة، متفوقة على مؤشرات الأسهم وسط توقعات بانتعاش اقتصادي، سياسات نقدية ميسرة، وتضخم متزايد. يعتقد المحللون وبنوك الاستثمار أن ارتفاع أسعار السلع في جميع المجالات تقودها قفزة بنسبة 50 في المائة في أسعار النفط على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، لم ينته بعد. حتى إن بعض أكبر البنوك الاستثمارية تقول: إن العالم يسير في اتجاه دورة فائقة جديدة للسلع، وبحكم التعريف قد تستمر لأعوام – عادة نحو عقد من الزمان.

ومع ذلك، ليس جميع البنوك الاستثمارية والمحللين مقتنعين بأننا ندخل في دورة فائقة جديدة للسلع في جميع المجالات، محذرين من أن مصطلح الدورة الفائقة متفائل للغاية، حيث قد يتلاشى في غضون عام أو عامين، ويمكن أن يظل ضحية للتأثيرات السلبية المرتبطة بجائحة كورونا.

في وقت مبكر من تشرين الأول (أكتوبر) 2020، قبل أسابيع قليلة من الإعلان الأول عن لقاح فعال لفيروس كورونا، قال بنك جولدمان ساكس: إن أسعار السلع ستتجه نحو اتجاه صعودي في عام 2021. وقال البنك الاستثماري في حينها، إن التحوط ضد توقعات ارتفاع التضخم، ضعف الدولار، حيث يتم تداول معظم السلع به، وإشارات السياسات النقدية الميسرة من البنوك المركزية ستكون الدوافع الرئيسة لارتفاع السلع. توقع بنك جولدمان ساكس: إن مؤشر السلع ستاندرد آند بورز جولدمان ساكس S&P GSCI سيعود إلى 42.6 في المائة للطاقة على مدى 12 شهرا، و17.9 في المائة للمعادن الثمينة. على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، تفوق مؤشر ستاندرد آند بورز جولدمان ساكس على مؤشر ستاندرد آند بورز 500 (S&P 500)، حيث ارتفع مؤشر السلع بنسبة 25 في المائة، مقارنة بزيادة 9 في المائة فقط لستاندرد آند بورز 500.

خلال الفترة نفسها، ارتفعت أسعار النفط من 40 دولارا للبرميل إلى أكثر من 60 دولارا للبرميل، مدفوعة بإطلاق اللقاحات، تخفيضات الإنتاج لمجموعة “أوبك +”، توقعات سوق متشددة وزيادة الطلب على النفط في وقت لاحق من هذا العام عندما تعود الاقتصادات إلى النمو، بمساعدة من حزم التحفيز الكبيرة.

فيما يلي بعض محركات الدورة الفائقة الجديدة. وفقا لجي بي مورجان، هناك أسباب للاعتقاد أن دورة سلعة جديدة قد تكون قد بدأت للتو. حيث قال محللو البنك الاستثماري في وقت سابق من هذا الشهر، نعتقد أن الارتفاع الجديد في السلع الأساسية، خاصة دورة ارتفاع أسعار النفط، قد بدأ. لقد انتهت أحدث دورة للسلع الأساسية في عام 2008 بعد 12 عاما، مدعومة بالإنفاق الكبير والطفرة الاقتصادية في الصين. ويرى البنك الاستثماري الآن عديدا من العوامل المحتملة التي تدعم دورة فائقة جديدة، النمو الاقتصادي العالمي بعد الوباء، السياسات النقدية الميسرة، زيادة التضخم والتعايش معه، ضعف الدولار، التدفقات المالية للتحوط من التضخم، المعادن لأسواق تحول الطاقة مثل البطاريات والمركبات الكهربائية، وقلة الاستثمار في إمدادات النفط الجديدة.

في جانب الإمدادات، حذرت وكالة الطاقة الدولية العام الماضي من أنه إذا استمر الاستثمار في النفط على مدى الأعوام الخمسة المقبلة عند مستويات 2020، فسيؤدي ذلك إلى خفض المستوى المتوقع سابقا لإمدادات النفط في عام 2025 بنحو تسعة ملايين برميل يوميا. في هذا الجانب أيضا، قال وود ماكينزي في كانون الأول (ديسمبر)، إن الاستثمارات العالمية في مشاريع المنبع ستظل منخفضة، كما كانت في عام 2020، وتوقع أن يصل الاستثمار في النفط والغاز في هذه المشاريع إلى أدنى مستوى له في 15 عاما عند 300 مليار دولار فقط، بانخفاض 30 في المائة عما قبل الأزمة – مستوى الاستثمار في عام 2019.

بالفعل، ربما يتجه العالم من حيث لا يدري نحو أزمة في العرض، وإن كان ذلك بعد عام 2021. الانتعاش في الطلب على النفط مرة أخرى إلى أكثر من 100 مليون برميل يوميا بحلول أواخر عام 2022 يزيد من خطر حدوث فجوة في العرض في وقت لاحق من هذا العقد، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل تصاعدي. بعد ذلك يمكن أن تؤدي السياسات النقدية الميسرة وانكماش التداول إلى دفع أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل العام المقبل، وفقا لكبيرة محللي النفط في إنيرجي أسبكتس Energy Aspects. بالفعل في الأسبوع المنتهي في التاسع من شباط (فبراير)، زادت صناديق التحوط رهاناتها الصعودية بنسبة 5 في المائة على 24 عقدا آجلا للسلع الأساسية لتصل إلى مستوى مرتفع جديد قدره 2.7 مليون عقد، وهو ما يمثل قيمة اسمية قدرها 143.7 مليار دولار، وفقا لرئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك. حيث ارتفع صافي مركز الشراء – الفرق بين الرهانات الصعودية والهبوطية – في خام برنت وغرب تكساس الوسيط إلى أعلى مستوى له في 28 شهرا، في حين أن صافي مراكز الشراء في قطاع الحبوب في الزراعة ليس بعيدا عن الرقم القياسي المسجل في آب (أغسطس) 2012، وفقا للمصدر نفسه. وأضاف، أن النمو بعد الوباء، تشدد العرض، واستمرار الطلب على التحوط من الانكماش دفع مؤشر “بلومبيرج” للسلع إلى أعلى مستوى في 27 شهرا.

لكن هل هذه بداية دورة سلع فائقة جديدة؟ رغم ارتفاع أسعار النفط الخام والسلع الأخرى وظهور إشارات لدعم الدعوة إلى دورة فائقة جديدة، إلا أن البعض حذرون ويقولون: من المبكر إعلان بداية دورة السلع الأساسية التالية. ما نراه في النفط والسلع في الوقت الحالي هو انتعاش دوري، لكن يمكن أن تكون الدورة الفائقة التالية على بعد عامين إلى ثلاثة أعوام، وفقا لبعض المحللين. في هذا الجانب، قال رئيس أبحاث السلع في “سيتي جروب”، من غير المرجح أن يتحول هذا الاتجاه الصعودي إلى دورة فائقة للسلع، لأنه رغم أن الاستثمار قد يكون منخفضا، إلا أن العرض متوافر لعديد من السلع، بما في ذلك النفط الخام.

بالتأكيد، لقد استفادت السلع من التفاؤل أن النمو وحزم التحفيز بعد جائحة كورونا ستعززان الطلب والأسعار، لكن قد يكون من السابق لأوانه قليلا إعلان دورة سلع فائقة شاملة جديدة على مدار العقد المقبل.

 

نقلا عن الاقتصادية

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here