عبد الحميد العمري

امتدادا لما تم الحديث عنه في المقال الأخير “تحولات اقتصادنا الوطني ومواجهة التحديات”، التي تتوزع بين تحقيق مكتسبات على مستوى منشآت القطاع الخاص والأفراد، وفي الوقت ذاته، ستنشأ تحديات تنموية تواجه ذات المنشآت والأفراد. تضمنت برامج التحول المستهدفة التي بدأ بعضها، وبعضها الآخر سيأتي تطبيقه تباعا، وفق مراحل زمنية تمتد حتى 2020، أؤكد أنها تضمنت إيجاد دعائم مساندة لتلك الأطراف، لمساعدتها على امتصاص أي ضغوط محتملة قد تلحق بها أضرارا أو خسائر، وهو الأمر المعتاد حدوثه بالتزامن مع أي تحولات وإصلاحات هيكلية يتم اتخاذها.
سيتم التركيز هنا على الجانب المجتمعي ممثلا في الأفراد والأسر، وتحديدا أصحاب الدخل المحدود والمتوسط والأدنى، التي تعهدت سياسات وبرامج الإصلاح الراهنة بضمان حمايتها من الآثار المحتملة لارتفاع تكلفة المعيشة المترتبة على تنفيذ تلك السياسات، بالاعتماد على الحساب الموحد لكل مواطن، الذي سيتم التعرف من خلاله على الدخل الشهري لكل رب أسرة، ومن ثم يتحدد مستوى الدخل أو الأجر وفقا لسلم ترتيب متوسطات دخل الأسر المحدد.
يحتل الاهتمام بتحقيق هذه الحماية الأولوية القصوى للقائمين على تنفيذ سياسات وبرامج الإصلاح الراهنة، ويجب أن تحظى فعلا بهذه الأولوية القصوى لعدد من الأسباب البالغة الأهمية، لعل من أبرزها وأهمها على الإطلاق أن تحققها بالدرجة المأمولة والمستهدفة، سيكفل أعلى درجات الموثوقية في تحقق أهداف الرؤية 2030 والتحول الوطني 2020، وما تمثّله من دعامة أساسية ومتينة جدا، ستسهم بدرجة عالية في ترجمة تلك السياسات والبرامج إلى واقع حقيقي للاقتصاد الوطني والمجتمع، وعدا أن مثل هذه الحماية الاقتصادية والاجتماعية المأمولة لما يُشكّل أكثر من ثلاثة أرباع المجتمع، ستجنّبهم أكبر قدر ممكن من الآثار السلبية المحتملة على تكلفة المعيشة بصورة مباشرة وغير مباشرة، فإنها بدرجة أهم بكثير؛ ستسهم تلك الشرائح من المجتمع التي تمثل النسبة الأكبر في ظل هذه المزايا التحفيزية في دعم سياسات وبرامج الإصلاح، وستتحول مرحليا مع ملامستها الفعلية لإيجابيات الإصلاح، إلى أهم وأقوى داعم لها دون أدنى شك. إننا بضمان حماية تلك الشرائح الأكبر من المجتمع، سنضمن أيضا – بمشيئة الله تعالى – توفير الحماية الكافية واللازمة، للمكتسبات المأمول تحقيقها من برامج الإصلاح الشامل لاقتصادنا الوطني.
إن ورقة معالجة الدعم الحكومي لأسعار استهلاك الطاقة والمياه، التي التقط الغالبية منهم، جزء ارتفاع التكلفة على كاهل ميزانيتهم الخاصة، دون النظر إلى البدائل الأخرى التي ستمتص من جانب آخر صدماتها الموجعة دون شك. إنّها الآلية التي تستهدف تركيز الدعم بصيغته المعممة سابقا، التي كانت تذهب للجميع دون أي تمييز، ليعاد تصميمها على أساس الاستحقاق الذي يحقق فعليا الغرض من إقرارها، وخروجا من المأزق الاقتصادي بل التنموي الذي انحدرنا إليه في الوقت الراهن، وقد ننحدر أكثر إلى أدنى منه لكن بعد أن نفقد أي خيارات للإنقاذ والنجاة. أظهرت الآلية السابقة أن 30 في المائة فقط من فاتورة الدعم الحكومي المعمم، هي كل ما تحصلت عليه الشرائح الاجتماعية الأحق قبل غيرها به، التي تتجاوز 40 في المائة من إجمالي المجتمع السعودي، فيما ذهب 70 في المائة من تلك الفاتورة الباهظة الثمن (قدرت بـ 300 مليار ريال في 2015، ونحو 354 مليار ريال في 2014) إلى شرائح السكان الأكثر ثراء وغير السعوديين.
في الوقت ذاته، وفي السياق ذاته؛ لا شك أننا نخشى جميعا من حدوث أي نتائج عكسية لكل ما تقدم ذكره، ما قد يبطئ أو حتى يحبط تقدم سياسات وبرامج الإصلاح الراهنة، التي لا خلاف إطلاقا على أهميتها القصوى لاستقرار اقتصادنا الوطني اليوم ومستقبلا، والاندفاع به عن جدارة واستحقاق نحو آفاق أوسع وأفضل على مستوى كل من خيارات الحياة ومجالات الإنتاج والتشغيل المتنوع، الأمر الذي يجب أخذه على أعلى درجات الحيطة والحذر والعناية من قبل الأطراف كافّة، سواء القائمون على تنفيذ تلك السياسات والبرامج الطموحة، أو من قبل المختصين في كل المجالات ذات العلاقة، أو من قبل أفراد المجتمع كونهم الشركاء الأهم في معادلة التنمية الشاملة.
لأجل تحقيق وضمان أعلى درجات الأمان، فإن هذا الملف يعد الأهم تنمويا واقتصاديا واجتماعيا خلال المرحلة الراهنة ومستقبلا، الذي يبدأ أول متطلباته من تحقق الحماية اللازمة للشرائح الاجتماعية الأكثر استحقاقا كما تبين لنا جميعا أعلاه، إضافة إلى بقية المتطلبات الضرورية الأخرى. سنجد أنه فيما يتعلق بضمان حماية شرائح المجتمع المستحقة، يتطلب من الأطراف كافة أثناء عملها التأكد التام، وبذل العناية القصوى حال تنفيذها مهامها ومسؤولياتها، والالتزام بعدد من التفاصيل الدقيقة، التي ترتكز على جانبين رئيسين: الجانب الأول: المتعلق بتقدير مستويات الاستهلاك المرشد، وضرورة أخذها بعين الاعتبار عددا من العوامل الاجتماعية والمناخية والبيئية حتى الاقتصادية، التي تعني وقوع أغلب المدن والمحافظات في مناطق صحراوية تتطلب أنماطا معيشية، تتوافق مع ظروف العيش في تلك المناطق، وتحديدا من حيث استهلاك الكهرباء والمياه، ويؤكد ضرورة أخذها بعين الاعتبار من جانب آخر؛ عدم اكتمال منظومة رفع كفاءة الاستهلاك المرشد لدينا حتى تاريخه (عوازل بناء، مكيفات، ثلاجات … إلخ)، وعدم اكتمال وسائل النقل البديلة (النقل العام، المترو)، على الرغم من التقدم الذي تحقق أخيرا، إلا أنه لم يصل إلى درجة الاكتمال المستهدفة، التي تبعد عن مرحلتنا الزمنية الراهنة عقدا من الزمن على أقل تقدير، وهو ما يؤمل الأخذ به في عين الاعتبار أيضا عند تحديد تلك المعايير المرشدة للاستهلاك، ومقارنتها بالمعايير المماثلة عالميا، بالتركيز على تلك الفروق الكبيرة بين ما هو قائم لدينا، والتجربة الزمنية القصيرة لدينا، مقارنة بتجارب المجتمعات الأخرى التي تجاوز أغلبها عقودا طويلة.
الجانب الثاني: المتعلق بتحديد البدل النقدي الذي سيدفع شهريا للأسر المستفيدة، والذي يؤمل أن يأتي كافيا جدا، وبما يعادل ما أظهره فعلا تقرير التوازن المالي، الذي أكد في تفاصيله أن 30 في المائة فقط من فاتورة الدعم الحكومي المعمم، هي كل ما تحصلت عليه الشرائح الاجتماعية الأحق قبل غيرها به، التي تتجاوز نسبتها 40 في المائة من إجمالي المجتمع السعودي، فيما ذهب 70 في المائة من تلك الفاتورة الباهظة الثمن (قدرت بـ 300 مليار ريال في 2015) إلى شرائح السكان الأكثر ثراء وغير السعوديين؛ أي ما لا يقل عن 90 مليار ريال، هي الحصة السابقة التي ضمنت مستوى معيشيا مستقرا لتلك الأسر. والأخذ بعين الاعتبار أيضا هنا؛ حجم الالتزامات المالية السابقة على عاتق أرباب الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، من وجود قروض بنكية (استهلاكية، عقارية)، وما تشكله استقطاعات أقساطها الشهرية من ضغوط إضافية على كاهلها، والأخذ بمبدأ التيسير قدر الإمكان، مقارنة بالتشدد الذي قد تكون مثالبه أكبر من محاسنه، خاصة في بداية تنفيذ برامج الإصلاح، التي ينظر إليها من حيث أهمية ضمان تحقق «رؤية 2030» والتحول الوطني 2020 قبل أي اعتبار آخر. والله ولي التوفيق. نقلا عن ” الاقتصادية”

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here