تبدأ الدورة الاقتصادية وتنتهي وهي في عملية ارتفاع مستمر، ويتساءل المستهلك: أين الانخفاض؟ حتى تأتيه دورة الارتفاعات التالية وينسى الأولى. وهكذا يعيش في سباق صعب مع ارتفاعات محمومة لا تنتهي، ولا يمكن تفسيرها بدقة وبوضوح. ما زالت أسعار النفط تنخفض، وأخيرا رفع البنك المركزي الأمريكي الفائدة بعد توقعات سابقة، ويتوجس العالم المخاوف من آثار الانكماش الصيني، ومحليا أصبحت الأراضي تعيش مرحلة تاريخية تغير من استخداماتها وآليات تسعيرها، وزادت التكهنات عن رفع أسعار الطاقة، وارتفعت تكاليف المعيشة، وأصبح التجار أكثر تمرسا في سياساتهم التسويقية والبيعية، وارتفعت أصوات الجميع مختصين وغير مختصين، مطالبين ومناقشين ومعلقين.

ترتفع الأسعار باستمرار، وبغض النظر عما إذا كانت الأسباب مرتبطة بعوامل الندرة والعرض والطلب وتدهور العملات، أو أنها تعود إلى ظلم صريح أو إدارة سيئة أو ممارسات بشعة، فإنها تستمر في الارتفاع، ومن النوادر أن يشعر المستهلك بالسيطرة عليها. كلما خطط لترتيبات معينة، تغيرت الأمور وتجاوزت تكهناته. كلما فهم الأمر بقدراته الحالية – ومرتبه ومدخراته – اكتشف أن الوقت يمضي بسرعة وأنه فوت الفرص وأساء التصرف. وللإنصاف، تصعب السيطرة على أمر كهذا، فالأسعار تفوز كثيرا على المستهلك، تسبق توقعاته وتتجاوز قدراته المالية والعاطفية والاستعدادية كذلك.

لا يبقى في سباق الأسعار مع المستهلك إلا سلاح الوعي والمعرفة، هو الوحيد الذي يمكنه من التنبه للوقت وليس إيقافه، ومن التخطيط للمستقبل وليس تجنبه، ومن الاستفادة من الأخبار والمتغيرات، وليس الجدل حولها والتعجب منها. هي فرصة للتقليل من المخاطر وليس إبعادها تماما. في حالة المستهلك المثقف الواعي، يصبح السباق جديرا بالمتابعة، وتصبح الأمور أقرب إلى الاتزان، لأن المستهلك يملك مزيدا من القدرات التي تمكنه من مقاومة ارتفاع الأسعار والاستعداد لها والوقاية منها وتقليل آثارها في حياته. وفي الحالة المعاكسة، حين لا يستغل المستهلك فرصة التعلم ولا يرفع من وعيه في الوقت الملائم، نجده يعجز عن المقاومة ويصبح تابعا لمؤشرات الأسواق، متابعا لمتاجره الجديدة وتدشيناته وبرامجه، وينتهي الأمر بآثار عظيمة في إمكانياته المادية والحياتية وفي معظم قراراته المصيرية المهمة.

الشيء الوحيد الذي تنخفض تكلفته مع الوقت هو المعرفة نفسها، فهي متوافرة بكميات أكبر ونوعيات أكثر، متاحة للجميع بدون قيود ولا تعقيدات. ولا يدخل في تكاليف الحصول عليها إلا رغبة وعزيمة المستفيد نفسه. لم تعد المعرفة مخفية في صناديق للأسرار محكمة الإغلاق، بل نجدها اليوم في مقالات محكمة ومدونات مبسطة ورسومات موضحة تعج بها المواقع وقواعد البيانات والكتب. توافر المعرفة الاستهلاكية والمالية من أكبر محفزات السيطرة على سباق الأسعار والفوز به. نجد اليوم أن المفيد في حقوق المستهلك وقواعد الادخار وأساليب زيادة المداخيل متاح للجميع، وليس على الشخص إلا بذل بعض الوقت وقليلا من الاستعداد فقط.

يعمل المستهلك وحده، بينما يعمل التاجر بفريق من المحامين والمستشارين والمسوقين والمخططين، ولهذا نجده في معظم الحالات يظهر وكأنه أكثر ذكاء من معظم الأفراد. يخفي التاجر عيوبه وعيوب منتجاته ويبالغ في تجسيد منافعها ومميزاتها، ويذكرنا بشرائها من حين لآخر، ويصل إلى أذهاننا في معظم ساعات اليوم برسائل الجوال ولوحات الطرق. بل يعمل التجار اليوم على فهم نفسياتنا وسلوكياتنا وكيف تتغير مع الوقت، وربما ماذا سنشتري وكيف سنفكر في المستقبل. في وضع كهذا لن يساعد المستهلك إلا المعرفة والوعي؛ هو العلم الذي يستند إليه ويحول آراءه العاطفية إلى تفسيرات موضوعية تحرك قراراته وممارساته.

على مَن تقع مسؤولية إيجاد الوعي؟ هي مسؤولية مشتركة على الجميع، وكلما ملك الشخص أو الجهة قدرا أكبر من التأثير سقط عليه مزيد من المسؤولية. لكن، إذا تخلف أحدهم ولم يقم بذلك على الوجه المطلوب، هل يسقط واجب البحث عن الوعي عند المستهلك؟ واجب التعلم الذي يمكنه من السيطرة على سلوكياته وعلى تغييرات الأسعار. كلا، لأن الأسعار لن تنتظر حينها وستستمر في الارتفاع! لذا على من يشعر بأن هناك نقصا أو عيبا في جهود جهة أو أخرى فيما يخص زيادة وعينا الاستهلاكي والمالي وتحفيزنا للحصول عليه، أن يبحث عنه بنفسه ولا ينتظر جهودا أو برامج ستأتي ربما بعد أن يخسر الكثير مع متغيرات لا تنتظر أحدا، وأسعار لا ترحم.

نقلا عن  الاقتصادية

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here