قانغ بو:

صحفي في الطبعة الخارجية لـصحيفة ((الشعب اليومية)) الصينية

 

مضى وقت طويل منذ استئناف العمل في الصين، وقد اتخذت الحكومة سلسلة من السياسات من أجل تحفيز الاستهلاك، مثل خفض الضرائب وتقديم الإعانات المالية وقسائم الشراء وغيرها. لقد تعافت السوق الاستهلاكية الصينية وأظهرت استقرارها وحيويتها القوية. كما هو معروف، لم ينته انتشار فيروس كورونا الجديد (كوفيد- 19) بعد، لذا يتأثر الدخل المتوقع وأنماط الاستهلاك ومستوى الاستهلاك وتوزيع الأصول في ظل ظروف هذه الجائحة العالمية. لا شك أن انتشار الفيروس يؤثر على نفسية المستهلك ويعيد تشكيل سلوكه إلى حد ما.

 

انتعاش الاستهلاك يعزز زيادة الطلب الاستهلاكي

 

بعد إعادة فتح أكشاك الشواء ومطاعم القدر المنغولي الساخن في ووهان، يمكن مشاهدة طوابير طويلة من الناس أمام المطاعم.  تشاو شين تشي، سيدة محلية جاءت إلى أحد مطاعم الأطباق الحارة في متجر شيجيتشنغ قوانتشانغ وقالت: “سئمت من تناول الوجبات الجاهزة والأطعمة التي أطبخها بنفسي في الأشهر الماضية، أخيرا، صار بإمكاني الذهاب إلى المطعم لتناول مختلف الأطعمة المألوفة التي أرغبها.” على مدى الأيام الماضية، تمتعت تشاو شين تشي بأطباق مختلفة، مثل القدر المنغولي الساخن والطعام الغربي وجراد البحر الحار.

 

بفضل إطلاق الطلبات الاستهلاكية التي بقيت مكبوتة خلال الأشهر الماضية، تشهد صناعة تقديم الأغذية انتعاشا. يقول المثل الصيني: “الطعام هو أهم شيء بالنسبة للناس.” لم يكن الشعب الصيني بخيلا فيما يتعلق بالتمتع بأطباق لذيذة. خاصة، سكان ووهان فهم حريصون على تناول الطعام في الخارج بعد قضاء فترة طويلة في منازلهم خلال فترة تفشي الوباء. قالت شيوي بينغ، مسؤولة كبيرة لمتجر ووشانغ قوانتشانغ: “بعد فحص الحمض النووي لجميع السكان في ووهان، تسارع صناعة تقديم الأغذية استئناف العمل، خاصة مع تقديم بعض المطاعم خدمة تناول الطعام فيها للزبائن.” كما يقدم متجر ووشانغ قوانتشانغ مكانا لوضع الطاولات بالخارج من أجل تلبية طلبات المستهلكين.

 

في غضون ذلك، أصبحت صناعة التجزئة مزدهرة، تدمج هذه الصناعة الآن الاستهلاك عبر الإنترنت مع الاستهلاك خارج الإنترنت لجذب الكثير من الزبائن. أصبح شارع وانغفوجينغ بمدينة بكين مزدحما ومزدهرا بعد ظهر أحد أيام عطلة نهاية الأسبوع، حيث أقيم فيه موسم التسوق ومهرجان 18/6 للتسوق لحث المستهلكين المحليين على الاستهلاك.

 

حاليا، انتعشت التجارة خارج الإنترنت بالكامل تحت مساعدة الأطراف المختلفة بالتوازي مع ازدهار التجارة الإلكترونية. مقارنة مع مهرجان 18/6 للتسوق على الإنترنت في 2019، أظهر المستهلكون رغبة أقوى في الاستهلاك في سنة 2020. ارتفع إجمالي المبيعات لسلسلة متاجر جينغدونغ التابعة لتطبيق جينغدونغ بنسبة 500٪ مقارنة مع مهرجان 18/6 في السنة الماضية، وارتفع إجمالي مبيعات أكثر من ألفي علامة تجارية  بنسبة 100٪ مقارنة مع  نفس الفترة من العام الماضي. وبلغ عدد المنتجات، التي تجاوز إجمالي مبيعاتها مليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 7 يوانات حاليا)، ثلاثة آلاف من 1 إلى17 يونيو.

 

قال تشاو بينغ، مدير قسم التجارة الدولية لأكاديمية اللجنة الصينية لتنمية التجارة الخارجية: “يعزز انتشار الفيروس تنمية الخدمات عبر الإنترنت، باستثناء بيع البضائع عبر البث المباشر، يندمج البث المباشر مع السياحة واللياقة البدنية وغيرها من الخدمات المختلفة. لا شك أن التجارة على الإنترنت ستواصل التطور، عندما تصبح الوقاية من الفيروس أمرا عاديا.”

 

بالإضافة إلى زيادة الحاجة إلى الضروريات اليومية والسلع الاستهلاكية، تشهد الأسواق ظاهرة الانتعاش في بيع السلع الفاخرة أيضا. وفقا للبيانات من متجر شانغجيا بشانغهاي، زادت مبيعات العلامات التجارية العالمية بشكل عام في إبريل. فقد ارتفعت مبيعات لويس فيتون بنسبة 25٪، بينما ارتفعت مبيعات فان كليف آند آربلز  بنسبة 57٪، وزادت مبيعات كريستيان ديور بنسبة 112٪. أما فندي وبولغري وبرادا، فتجاوزت مبيعات كل تلك العلامات المستوى في نفس الفترة من العام السابق.

 

قالت تشاو بينغ: “تتخلص الصين الآن من آثار انتشار الوباء السلبية على الاقتصاد في إطار تنفيذ السياسات بشأن استقرار التوظيف والقطاع المالي والتجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي والاستثمار المحلي والتوقعات. السوق الاستهلاكية الصينية تشهد انتعاشا بسبب زيادة الإيرادات المتوقعة.”

 

بالنسبة للمستهلكين الذين يسعون إلى البراغماتية، هم يفضلون اختيار المنتجات التي تُصنع في الصين وتتميز بسعر معقول وجودة عالية في نفس الوقت.  قال تشو لي أحد المستهلكين من مواليد ما بعد ثمانينات القرن الماضي بصراحة: “أفضل اختيار المنتجات المصنوعة في الصين، حتى أني لا أشتري الحليب المجفف المستورد لطفلي. سمعت أن العديد من العلامات التجارية المشهورة في العالم تصنع منتجاتها في الصين أيضا. إذن، لماذا لا ندعم العلامات التجارية المحلية؟” موقف تشو لي يمثل جزءا من رغبات المستهلكين الصينيين. أشار تقرير ((بحث العلامات التجارية الاستهلاكية الصينية لعام 2020))،  الذي أصدره موقع آلي للبحوث، إلى أن المنتجات المصنوعة في الصين احتلت أكثر من 80% من المنتجات التي يضعها الشعب الصيني في عربة تسوق على الإنترنت على تطبيقات التسوق الإلكترونية في عام ٢٠١٩.

تعتقد تشاو بينغ أن المستهلكين صاروا أكثر عقلانية بسبب انتشار الوباء، وتميزت المنتجات الصينية بميزات السعر المعقول والجودة العالية، لذا، أصبح لدى المستهلكين رغبة أقوى في شراء المنتجات المحلية، مما يعزز تطورها.

قالت المستهلكة وانغ شي ون وهي من مواليد بعد عام ١٩٩٥: “لقد قضيتُ وقتا طويلا في بيتي. بعد تحسن حال انتشار الفيروس، أعتقد أنني يجب أن أعطي نفسي وقتا أكثر من أجل زيارة الأماكن التي لم أزرها والتمتع بالأشياء الجديدة. زارت وانغ شي ون ضواحي بكين، مثل قطاع موتيانيوي من سور الصين العظيم وحديقة شيشان للغابات  والمدينة المائية ببكين، في عطلة نهاية الأسبوع مؤخراً.

من عادة وانغ شي ون القيام بالمقارنة بين مختلف الفنادق والمواصلات لتحجز فندقا معقول التكلفة وتختار وسائل النقل الأكثر اقتصادا. قالت: “أسافر إلى الضواحي لمدة يوم أو يومين، أحيانا أسافر بالحافلة، وأحيانا أخرى استأجر سيارة مع أصدقائي. أستخدم ثلاثمائة أو خمسمائة يوان فقط كل مرة لزيارة تلك الأماكن الجميلة والتمتع بالمناظر الطبيعية، رغم قلة التكاليف، أشعر بسعادة غامرة.”

عن صحيفة الشعب الصينية

 

قالت تشاو بينغ: “انتعاش صناعة الخدمات هو المظهر الهام الذي يعكس تحسن الاستهلاك. إن صناعة الخدمات كانت الأكثر تأثرا بالوباء لمدة طويلة، لذلك، بعد تحسين وضع الوقاية من الوباء والسيطرة عليه، انتعشت هذه الصناعة بشكل أسرع.”

 

تخطيط الاستثمار المطرد ضد الأزمات

 

يعد مهرجان 18/6 للتسوق مهرجانا شعبيا، بالنسبة للمستهلكين، وهو وقت هام أيضا لشراء البضائع الكبيرة والغالية. في هذا العام، قدم تطبيق جينغدونغ خدمة دفع أربعة وعشرين قسطا شهريا من دون فوائد، وأطلق تطبيق تيانماو خدمة دفع قسط ستة أشهر من دون فائدة الشهر الأول، سعيا إلى خفض عتبة الاستهلاك. لقد أصبح المستهلكون أكثر عقلانية مقارنة مع السنة الماضية.

 

هو يي فان، وهو مستهلك من جيل ما بعد التسعينات، يعمل بشركة بناء بمدينة شيجياتشوانغ في مقاطعة خبي. في الوقت الراهن، استأنفت الشركة التي يعمل فيها العمل. يدرك هو يي فان الآن الوضع العام ولديه الوعي الكامل بالمخاطر بعد مرارة تفشي الوباء في الأشهر الماضية، وقال: “في السنة الماضية، اشتريتُ هاتفا نقالا عن طريق الدفع بالأقساط خلال مهرجان 11/11 للتسوق، ولم أنته من دفع المبلغ بعد. بسبب تأثير فيروس كورونا الجديد، أحصل على 1500 يوان فقط كل شهر منذ بداية العام. أشعر بضغوط كبيرة، فبالإضافة إلى دفعي للنفقات اليومية، يجب عليّ دفع تلك الأقساط الشهرية أيضا.” وأضاف هو يي فان: “في الآونة الأخيرة، حرصت على عادة تسجيل كل نفقاتي في كراسة، وهكذا يمكنني معرفة ما إذا كان كل إنفاق ضروريا. أردت شراء كاميرا في مهرجان 18/6 بالدفع بالأقساط، لكن عدلت عن ذلك بعد إعادة التفكير، أعتقد أن توفير المال هو أهم شيء الآن.”

 

هناك الكثير من الأمثلة المشابهة لهو يي فان. يفضل الناس الآن توفير المال بدلا من الإفراط في الاستهلاك. في 28 إبريل هذا العام، أصدر بنك الشعب (المركزي) الصيني ((تقرير استبيان المودعين في المناطق الحضرية الصينية في الربع الأول من عام 2020))، مشيرا فيه إلى أن 53٪ من السكان يفضلون توفير المزيد من المدخرات، بزيادة 3ر7 نقاط مئوية عن الربع السابق. وفقا للبيانات من بنك الشعب الصيني، زادت ودائع الرنمينبي بمقدار 07ر8 تريليونات يوان في الربع الأول من عام 2020. وهذا لأنّ السكان قد حصلوا على منحة نهاية العام، لكنهم لم يتمكنوا من الشراء والاستهلاك بسبب العزل في منازلهم خلال تفشي الوباء، بالإضافة إلى ذلك، هم يصبون أكثر اهتمامهم على سبل تجنب ومقاومة المخاطر.

 

إضافة إلى الودائع، فإن الشباب والكهول في الصين هم الفئة التي لديها أكثر طرق الاستثمار. وانغ يوي، تعمل في إحدى شركات الأدوية في بكين منذ السنة الماضية، وتتمتع بحياة رائعة وجيدة في بكين، لكنها لا تستطيع توفير المال، لأنها تنفق دائما راتبها كاملا كل شهر. قالت: “إذا قمت بإيداع الأموال في البنك، ستكون المخاطر منخفضة، لكن بالمقابل، أحصل على فائدة منخفضة أيضا، في غضون ذلك، يجب علينا متابعة ارتفاع أسعار البضائع في السوق. بسبب تأثير الفيروس، لا تقوم شركتي بزيادة الرواتب والترقية مؤقتا. إذا فكرت في تغيير عملي، ربما لن يقوم صاحب العمل الجديد بزيادة راتبي، أو ترقيتي، لذلك، قررتُ مواصلة العمل في هذه الشركة. لكن أعتقد أن الآفاق لا تزال مشرقة.”على الرغم من عدم وجود العديد من الودائع، يمكن للناس اختيار أساليب عديدة للاستثمار إدارة أموالهم. وكما يقول القول الصيني المأثور: “لا يجب وضع البيض في سلة واحدة.”

 

تعتقد تشاو بينغ أن انتشار الفيروس يؤدي إلى زيادة المخاطر في الاستثمار والتقلبات في سوق رأس المال. تحسن وعي الكثير من الناس بالمخاطر، خاصة بالنسبة للمستهلكين الذين يتجنبون المخاطر، ويفضلون تركيز اهتمامهم على الاستثمار في المنتجات المالية المنخفضة المخاطر.

 

لم يكسب لو هونغ وزوجته دخلا كثيرا، لكنهما يعززان الوعي بالمخاطر بسبب تأثير الفيروس، ويركزان انتباههما على الصحة. قال لو هونغ: “الحياة تعود إلى طبيعتها، لكن مَن يعرف ماذا سنواجه في المستقبل؟ أحتاج إلى رعاية والدي وطفلي، لذا، أرجو ألاّ أصاب بأي مرض، أريد شراء قسائم التأمين لأفراد عائلتي من أجل مواجهة أي أزمات محتملة في المستقبل.”

 

أشارت تشاو بينغ إلى أنه يجب على الناس معرفة مدى قدراتهم على الاستهلاك والاستثمار قبل شراء المنتجات لتحسين نمط الحياة، كما ينبغي لهم تجنب الضغوط الناجمة عن الاستهلاك المفرط واختيار سلع وخدمات أكثر فعالية من حيث التكلفة، ليكونوا مستهلكين أكثر ذكاء.

 

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here