د.عيد بن مسعود الجهني

من تتبَّع مسيرة أسعار النفط يتضح أن المنتجين، وفي مقدمتهم بالطبع الأوبك، تتركز اهتماماتهم على خلق سوق نفطية مستقرة، يخرج من رحمها أسعار عادلة مستقرة لضمان إيرادات كافية، تضخ في عروق اقتصاداتهم؛ فليس من مصلحتهم أن يرتفع سعر النفط ليبلغ الثريا كما حدث قبل أزمة الكساد الاقتصادي العالمية التي هبّت رياحها من على أرض بلاد العم سام عام 2008م؛ لينحدر سعر برميل النفط إلى 33 دولارًا بعد أن كسر حاجز 147 دولارًا للبرميل؛ لتبدأ الأوبك مسيرة كفاح طويلة لبلوغ أسعار عادلة للبرميل.

اليوم الأوبك، والحلف المتعاون معها، رغم أنهم أصبحوا قوة نفطية تحسب حسابها الدول الصناعية (المستهلك الرئيس للنفط)، التي تمثلها وكالة الطاقة الدولية التي تأسست عام 1974 بمبادرة من كيسنجر في تلك الفترة من التاريخ النفطي، إلا أنهم يواجهون تحديات تطول أسعار نفطهم. بعد كساد 2008، ونتيجة حتمية لكفاح الأوبك، ومن سار في ركبها في ميدان خفض الإنتاج، بدأ الطلب على النفط يرتفع بالتدريج ليبلغ (100) مليون ب/ ي، وحافظ على هذا المستوى حتى حلت بالعالم جائحة فيروس كورونا؛ ليبدأ الطلب بالانخفاض الحاد، وكان سعره قبل هبوب عاصفة الفيروس دون السبعين دولارًا للبرميل، لكن هبوب العاصفة تركت ظلالها بقوة على أسعار هذه السلعة النفيسة؛ لتنحدر إلى أقل من (30) دولارًا.

ومع الانخفاض الكبير للطلب على النفط هوى سعر برميل النفط الأمريكي (نفط غرب تكساس) بتاريخ 21 إبريل 2020م إلى ما دون الصفر للمرة الأولى في التاريخ بفعل تداعيات الإقفال العالمي للاقتصاد الناتج من الفيروس.

وتمثِّل العقود التي هوت إلى ما دون الصفر عقود خام غرب تكساس لشهر مايو؛ إذ سارع المستثمرون في جلسة الاثنين 4 مايو إلى التخلص منها لتفادي تحمُّل تكاليف إضافية لتخزين النفط.

وقد واجه مشترو النفط في تلك الفترة مشكلة اقتراب السعة التخزينية في كوشينغ إلى حدها الأقصى. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فإن 72 في المئة من الخزانات في كوشينغ (قلب شبكة خطوط الأنابيب الأمريكية) كانت ممتلئة بالنفط بنهاية اليوم العاشر من شهر إبريل.

وإذا كانت الأوبك والمتعاونون معها (23 دولة) قد خفضوا إنتاجهم (9.7) مليون ب/ ي بدءًا من شهر مايو 2020م لدعم سوق النفط الدولية لتحقيق سعر مقبول، فإن استجابة السوق كانت محدودة، بل إن الأوبك وحلفاءها الـ (23) في النصف الثاني من 2020 سيعملون على تخفيض إنتاجهم بـ (7.7) مليون ب/ ي.

وبناء على خطة النادي الكبير فإن أوائل 2021م ستشهد تخفيض الإنتاج بواقع (5.8) مليون ب/ ي. ومن جانبها قادت السعودية صمام أمان سوق النفط الدولية تخفيضًا طوعيًّا جديدًا، وانضمت إليها الكويت والإمارات؛ ليبلغ مجموع تخفيض إنتاجهم نحو (1.2) مليون ب/ ي، وحصة السعودية كانت مليون ب/ ي.

هذا التخفيض يعتبر امتدادًا لاتفاق خفض الإنتاج بواقع 1.2 مليون ب/ ي بدءًا من أول يناير 2019. ويدخل في هذا أوبك وحلفاؤها المتعاونون معها بعد أن بلغ إنتاج الأوبك في أكتوبر 2018 نحو 33 مليون ب/ ي.

وهنا كسر سعر خام برنت 30 دولارًا، وغرب تكساس 25 دولارًا للبرميل. وقد استمر السعر بالارتفاع ليكسر خام برنت 41 دولارًا في تاريخ 4 يونيو 2020م، وخام تكساس الخفيف كسر حاجز (38) دولارًا للبرميل بعد أن كان قد تدنى لأقل من (الصفر). واستمرت معادلة ارتفاع الأسعار؛ فقبل غروب شمس شهر يونيو، وتحديدًا في الثالث والعشرين منه، صعد السعر ليكسر خام برنت حاجز الـ 43 دولارًا، وغرب تكساس نحو الـ 40 دولارًا للبرميل.

وكما يقولون (مصائب قوم عند قوم فوائد)، المستفيد الأكبر في أزمة النفط هم شركات تخزينه في الناقلات في عرض البحر، وامتد إلى الناقلات والقطارات والكهوف تحت الأرض في السويد والنرويج، والبوارج الموجودة في الأنهار. وبلغت تكلفة تخزين النفط (الثريا)؛ لتبلغ تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة في البحر حاملة مليونَي برميل نحو (230) ألف دولار في اليوم الواحد.

ومع بوادر فتح جزئي للاقتصاد العالمي في القارات كلها، وتمكُّن الصين إلى حد كبير من السيطرة على المرض، وهي مستورد رئيس للنفط، فقد بدأت مسيرة طلبها على براميل أكثر تبرز في سوق النفط الدولية. وهنا الأفضلية للنفط العربي، خاصة في الخليج العربي القريب من استهلاكه في الصين.

ومع التحسُّن في الانفتاح الدولي للاقتصاد، وعودة مسيرته بشكل متدرج، فإن الأسعار ستخرج من حالة عدم اليقين إلى حالة الزيادة والاستقرار، خاصة مع هذا الخفض الكبير في الإنتاج الذي اتفقت عليه الأوبك والمتعاونون معها، ودعمته المملكة بمليون ب/ ي حتى أواخر هذا الشهر.

وعلى الجانب الآخر فإن غياب النفط الإيراني والفنزويلي والليبي إلى حد كبير عن سوق النفط الدولية يدعم استقرار السوق، فضلاً عن أن إنتاج النفط الصخري الأمريكي قد تدنى بواقع (4) ملايين ب/ ي. وهذه أسباب جوهرية تجعل أسعار النفط تعود لتتنفس الصعداء.

هذا الغياب لتلك «النفوط»، ومعها النفط الصخري الأمريكي، قد يستمر لفترة أطول، خاصة إذا عرفنا أن هذا النفط الأخير لكي يصبح مربحًا، وتعود عملية إنتاجه إلى الدوران، لا بد أن تبلغ أسعار النفط الأحفوري ما بين 45 – 70 دولارًا للبرميل.

وبهذا يمكن القول إن أسعار النفط في طريقها إلى الاستقرار الحذر، وهي (الأسعار) قد تبلغ عتبة الـ (50) دولارًا للبرميل في أواخر النصف الثاني من هذا العام في ظل تعاون الأوبك وحلفائها الذين أثبتوا جميعًا خلال السنوات الماضية أنهم (قوة) نفطية قادرة على مواجهة التحديات في سوق النفط الدولية، وحماية سعر عادل مقبول لـ»نفوطها».

وتبقى سلعة سيد الثروات حية ترزق مهما بلغت من تحديات أو صدمات جسام..

ستتغلب عليها، وتفوز بالسباق، وستعود على منتجيها بالخير العميم..

قد تزيد قيمته أحيانًا، وقد يحدث العكس أحيانًا أخرى..

لكن ستبقى السنوات السمان أكثر من تلك العجاف..

وكل ما يمكن قوله إن الأهم هو إدارة هذه الثروة الأغلى والأهم في تاريخ جميع الثروات.

عن الجزيرة

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here