محمد اليامي

من الفعاليات التي تقترحها صغيرتي، أو تفرضها بقوة “الزن” مشروع “بقالتها” على طاولة صغيرة في المنزل، وهذه البقالة عبارة عن مجموعة حلويات وشوكولا، من الأنواع التي تحبها، أشتريها من البقالة، ثم تعرضها في المنزل، وأشتريها منها، لتأكلها هي في النهاية.
يمثل هذا المشروع طبائع الاستبداد، استبداد الحب هنا، فالصغيرة تعول على محاولات تعويضها عن الحجر، وعن السفر، وعن التشدد في الخروج بعد رفع الحجر، وهو أيضا يمثل تضاربا في الوسائل رغم الاتفاق الضمني على الهدف، السماح لـ”كينونتها” بمحاولة التشكل، وهي هنا كينونة أنانية إلى الحد المقبول صحيا، فكل طفل أناني بطريقة أو بأخرى حتى يكبر “أولئك الذين لم يتركوا الأنانية لم يكبروا بعد”.
المنطق يفترض أن تشتري من نقودها، وأن نعلمها مبدأ التكلفة، والبيع بربح، لغرس ثقافة العمل، والاستثمار إلى آخر ما تمنيت وتقترحون الآن وأنتم تقرأون، لكن العملية كلها جاءت من باب الحب والدلال، وكلاهما لا يعرف المنطق، ومن باب التعويض عن فعاليات أخرى أكثر مخاطرة في ظل تطبيق شعار “نعود بحذر”.
المشروع يتعرض للنقد داخليا، كونه إنفاقا غير مبرر الهدف، ومضاعف التكلفة على ميزانية الأسرة، وبديله واضح وبدهي، وهو إما أن أعطيها مالا مباشرة إذا كان الهدف أن تستثمر وتربح، أو أن أشتري لها هذه الأصناف إذا أردت لها التلذذ والاستمتاع بها، لكنني لا ألتفت إلى هذه الانتقادات لإحساسي أنني الوحيد الذي يعرف معنى كل ما يحدث، وهو إحساس ليس سليما بالضرورة.
المشروع لا يتسم بالاشتراكية “البائدة”، فهي ترفض منح البقية أو مشاركتهم أي شيء، ولا بالرأسمالية “السائدة” التي يعدها البعض “مقيتة”، لأنه لا يخضع لأي من معايير الاقتصادات الحرة وعمليات الاستثمار أو التجارة، تجارة “التجزئة”، بالطبع.
البقالة تؤكد أن “الحب أعمى”، لكنها لا تنفي أن للحب بصيرة، فربما يكون من الأهداف ألا أجعل الدنيا “أكبر همها”، ولا همي بالطبع، رغم صعوبة هذا الهدف هذه الأيام، خصوصا مع الأجيال الجديدة التي تغيرت دنياها عن “دنيانا” نحن الكبار في السن، الذين فهمنا كنه بعض الأشياء، وصعب علينا بعضها الآخر، لكن من الممكن لبعضنا أن يكتفي بما ناله إذا اقتنع حقا أنه “نصيبه”.
الشاهد، أنني أكلت قطعة حلوى ثمنها مضاعف عشر مرات بعد “تسعيرة” الطفلة التي لم تخضع للرقابة

عن الاقتصادية

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here