محمد سليمان العنقري

مما لا جدال فيه حتى تاريخنا الحالي أن الانكماش بالاقتصاد المحلي بات هو النتيجة الأكثر احتمالاً تبعًا لأوضاع الاقتصاد العالمي الذي يعاني كثيرًا بسبب الإقفال الكبير الذي تسببت به جائحة كورونا. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد المحلي بنسبة 2.3 في المئة هذا العام، لكن من المحتمل أن نشهد تباينات بتحركات الاقتصاد في الربعين الثالث والرابع، وسيكون الأداء فيهما أفضل من النصف الأول لهذا العام هذا من حيث المبدأ في حال استمرت عودة الدول للحياة الطبيعية، وزاد الطلب على السلع، ومن بينها النفط وكذلك المنتجات البتروكيماوية وغيرها، ورجع إلى سابق عهده، وان كان بدأ ذلك بشكل تدريجي؛ وهو ما يشير إلى بداية التعافي. فبنك مورغان ستانلي يتوقع ركودًا حادًّا للاقتصاد العالمي، لكنه سيكون قصيرًا، ويرمز لذلك بأن السيناريو المتوقع لأداء الاقتصاد العالمي سيكون على شكل حرف(V) باللغة الإنجليزية، أي هبوطًا وارتدادًا بفترة قصيرة جدًّا.

وبالتأكيد ستبقى هناك قطاعات متأخرة بالعودة للنشاط بكامل طاقتها إلا أن الأداء الكلي يُتوقع أن يكون إيجابيًّا، وخصوصًا من العام القادم 2021 م. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي السياسات التي ستُعتمد لاستعادة النمو بالاقتصاد المحلي؟ هل سيكون الارتكاز فقط على الإنفاق الحكومي؟ وهل سيلعب تحسن أسعار النفط الدور الأبرز بنِسَب النمو التي يتوقع أن تصل إلى نحو 5 في المئة أم إن التفكير بتحقيق معدلات نمو جيدة سيعتمد أساليب وأدوات مختلفة أو إضافية للأساليب التقليدية؟ فلقد أثبتت توجهات الرؤية لاستدامة النمو، وما ترتكز عليه من تحوُّل للجهات الحكومية؛ لتكون جهات رقابية إشرافية، وأن يُعطى الدور الأكبر لتحقيق النمو واستدامته للقطاع الخاص، أنها التوجُّه الصحيح؛ وهو ما يعني بالضرورة القفز لمبادرات تسرع الوصول لهذا الهدف. فالإنفاق العام سيبقى عاملاً رئيسيًّا في استعادة النمو إلا أنه يمكن إضافة أدوات جديدة بإطار مختلف لتحقيق معدلات نمو تعوض ما فات الاقتصاد المحلي في العام الحالي من نمو مستهدف، تغير مع ظروف فرضتها هذه الجائحة على جميع دول العالم من إقفال لأنشطة عديدة في الاقتصاد، بخلاف المحفزات التي تتبع فترات الركود الاقتصادي من سياسات مالية ونقدية إلا أنه يمكن تفعيل برامج خاصة لجذب الاستثمارات للاقتصاد المحلي مثل مراجعة الأنظمة واللوائح الخاصة بالاستثمارات، وما يخدم استقطابها وإزالة أي عقبات تحد من تدفقها وتعزيز دور السوق المالية في قيادة عمليات تمويل هذه الاستثمارات مع دور رائد لصناديق التنمية والبنوك التجارية، إضافة لوضع برامج طرح صكوك من قِبل جهات حكومية لديها إيرادات، مثل أمانات المدن الكبرى؛ لتمول مشاريعها بالتعاون مع مركز إدارة الدين والسوق المالية، أي ليس بالضرورة أن يكون الطرح لأدوات التمويل عبر المركز إنما من قِبل الجهات المستفيدة مباشرة بضمان إيراداتها من الخدمات التي تقدمها ومواردها الأخرى، والأمر ذاته ينطبق على أي جهة ذات دخل جيد، ولديها مشاريع تنموية يمكن توفير تكلفتها بإصدار صكوك، أو من خلال عقود التخصيص المتبعة عالميًّا، وبما يناسب الاقتصاد المحلي، إضافة إلى التركيز على جميع المبادرات التي تحفز النمو الاقتصادي بالدرجة الرئيسية، مع التركيز على تحقيق نسب عالية بالتصنيع المحلي، وزيادة المحتوى المحلي بنسب تمثل تحديًا للجهات المعنية بقطاع الصناعة، والنهوض به، أي التفوق على الواع، وخصوصًا بعد أن بينت هذه الجائحة أهمية الاعتماد ذاتيًّا على تلبية الطلب المحلي من الداخل للكثير من السلع والمنتجات.

الأفكار التي تحفز النمو لا بد أن تكون مختلفة عما هو معتاد؛ لأن إفرازات هذه الأزمة كثيرة، ومن المهم أن تكون خطوات ما بعد الأزمة متناسبة مع التحديات التي ظهرت منها؛ فالنمو المستهدف في العام القادم لا بد من مقارنته مع الناتج المحلي في عام 2019 م حتى يتضح ما هو حجم الإنجاز الحقيقي؛ لأن هذا العام 2020 م ليس مقياسًا دقيقًا؛ فما حدث فيه استثنائي من إقفال قسري محلي وعالمي بسبب الإجراءات الاحترازية لحماية المواطنين، والحد من تفشي الوباء؛ ولذلك نتائج الاقتصاد هذا العام لا يمكن القياس عليها وحدها، وأيضًا العودة للنمو تمثل فرصة للتفكير خارج الصندوق باتباع طرق حيوية، ترفع من نسب النمو المستهدف، وتفتح مسارات جديدة بتحول الاقتصاد المحلي؛ ليكون أكثر إنتاجية، وينمو ذاتيًّا باعتماد أقل على الأسلوب التقليدي بتمويل برامج ومشاريع التنمية لصالح التنوع بأدوات التمويل وآلية تنفيذ وإدارة المشاريع.

عن الجزيرة

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here