خالد الشامي

في ظل  حالة عدم اليقين التي تخيّم على الاقتصاد العالمي على نحو متزايد، تبقى  عمليات التحول الرقمي واحدة من المجالات القليلة التي لا زالت تستقطب الاستثمارات إليها. وعندما نتحدث هنا عن قطاع التصنيع، فإن ذلك يعني الاستمرار في نهج التطور والتحول نحو الثورة الصناعية الرابعة.

 

ربما يكون المبرر في استمرار تدفق هذه الاستثمارات بسيطاً،  فالشركات المصنعة التي ترغب في السير في ركب الثورة الصناعية الرابعة وفرص الأتمتة الحديثة من شأنها أن تشهد تحسينات كبيرة على مستوى الإنتاجية.  ليس فقط على مستوى العمليات الروتينية اليومية، بل على كافة العمليات ضمن الشركة.

 

والسبب الآخر وراء الاستمرار في تطوير هذه البرامج هو أنها قادرة على توليد قدر كبير من الثقة ضمن هذه الأسواق المتقلبة. وتتميز التحسينات التي تضيفها الثورة الصناعية الرابعة بأنها ملموسة للغاية ويمكن تحديدها وقياسها بسرعة كبيرة. ووفقاً لدراسة مسحية مشتركة حول المصانع الذكية قدمتها كل من شركة الخدمات المهنية برايس ووتر هاوس كوبرز ومعهد التصنيع في المملكة المتحدة، فإن مكاسب الإنتاجية وخفض تكاليف العمالة وكشف تدفقات الإيرادات الجديدة تُعد من بين أهم المزايا التي تتمتع بها شركات التصنيع التي وظفت تقنيات الثورة الصناعية الرابعة.

 

هناك ثقة كبيرة بهذه التطورات التي يشهدها القطاع الصناعي. ففي حين أن العديد من الشركات المصنعة لاتزال في مرحلة البحث والتجريب، تشير الدراسة المسحية إلى أن 73% من هذه الشركات تخطط لتعزيز استثماراتها التقنية خلال العام المقبل. لكن ماهي نقاط التركيز التي يجب على الشركات المصنعة تبنيها لضمان تحقيق النجاح المطلوب، وتركيز خططها الاستثمارية، ليس فقط لتحقيق مرونة أكبر بل لتعزيز فرصها في النمو أيضاً؟

 

  1. تحسين وأتمتة العمليات اليومية

يمكن للشركات المصنعة استخدام التقنيات الموائمة للثورة الصناعية الرابعة  للقيام برقمنة العمليات اليومية والروتينية التي لا تزال تعتمد على التعاملات الورقية إلى حد كبير. حيث لا تزال العديد من الشركات المصنعة تستخدم اليوم السجلات الورقية لمراقبة سير إجراءات العمل، وأماكن تخزين القطع المصنعة، وحتى في بعض الأحيان لمراقبة خطوات إنتاج ومعلومات تجميع طلبية معينة. لكن هذه الطرق والوسائل أثبتت عدم فعاليتها، ليس فقط خلال تطبيقها على العمليات الروتينية الحالية، بل إنها تقيّد مستويات السرعة والمرونة اللازمة لتطوير المنتجات الجديدة التي تساهم في تعزيز النمو المستقبلي للشركة المصنعة.

 

في المقابل، توفر البرمجيات الحديثة طرقاً متنوعة لأتمتة وتبسيط خطوات العمل. حيث توفر هذه البرمجيات خاصيات جديدة يمكنها توقّع احتياجات المستخدم، بناءاً على الإعدادات التي تم تحديدها ضمن مسار العمل. كما تدعم هذه البرامج الحديثة قدرة اتخاذ القرار بشكل أسرع من خلال توفير لوحات معلومات سهلة القراءة ومنصات عمل أكثر تطوراً، بالإضافة إلى توفير تقارير خاصة بالمواد المستهلكة.

 

  1. سلاسل توريد أكثر شفافية

يُعد العمل على تصنيف طلبيات العملاء وتحديدها بكفاءة عالية من أهم أولويات الشركات المصنعة. حيث أشارت دراسة مسحية أجرتها شركة الاستشارات الصناعية BDO إلى أن 23% من الشركات المصنعة متوسطة الحجم تتطلع إلى اقتناء التقنيات الخاصة بسلاسل التوريد بغية المساعدة على تلبية طلبيات العملاء بسرعة أكبر.

 

وفي عصرنا الحالي الذي يمكننا فيه تتبع خطوات توصيل كل طلبية شخصية إلى منازلنا، باتت الشركات (بما فيها الشركات المصنعة) تدرك بأنها بحاجة إلى تقنيات حديثة لتطبيقها على نحو شامل على عمليات سلاسل التوريد لديها، والتي تمنحهم قدرات متابعة كاملة على مستوى المخزون عند ورود الطلبيات، بما يساعد هذه الشركات على اكتشاف وجود أية نقاط ضعف أو خلل، سواءً كانت من المورّد أثناء نقل الطلبيات، أو بعد وصولها إلى منشأة التصنيع مباشرة.

 

  1. تعزيز القوى العاملة بالأدوات الرديفة

غالباً ما تثير أتمتة العمليات مخاوف كبيرة لدى العديد من الشركات المصنعة، لكن روبوتات العمل المشترك أو الـ cobots ليست هنا لتحل محل العمال، بل للعمل جنباً إلى جنب معهم للمساعدة على التعامل مع مهام العمل الشاقة، أو لتنفيذ المهام المتكررة التي يمكن أن تصبح قاسية على أجساد الموظفين مع مرور الوقت.

 

ومع تولي هذه الروبوتات لبعض مهام العمل الأكثر رتابة، يمكن للموظفين حينها التركيز على الأنشطة التي تتطلب مزيداً من البراعة والإبداع والتفكير المنطقي، والمهارات البشرية مثل التفكير النقدي. ومن المحتمل أن تجلب هذه التوجهات تحوّلاً جذرياً على المدى الطويل.

 

وتماماً مثلما يمكن للروبوتات المساعدة في تنفيذ مهام العمل اليومية الأكثر رتابة، يمكن لإدارات القوى العاملة وأنظمة إدارة رأس المال البشري أن تساعد موظفي الشركات المصنعة على تحقيق النجاح في تحويل الأدوار والمسؤوليات ضمن بيئة العمل. كما يمكن للأدوات التي تقدمها البرامج الحديثة أن توفر سهولة أكبر في الاستخدام ومهام مؤتمتة وتحليلات، تساعد المديرين على تخطيط استخدام الموارد والتحكم في تكاليف العمالة بشكل أكبر، فضلاً عن تعزيز تجربة الموظفين في الوقت ذاته.

 

  1. تطبيق استراتيجية صيانة تنبؤية على الأدوات والأصول

من المهم للغاية أن تستمر المعدات والأصول المعتمدة في تنفيذ مهام العمل الروتينية حتى عندما تتجاوز الآلات ذروة قدرتها الإنتاجية وتصبح بحاجة إلى إصلاحات متكررة أو حتى استبدالها كلياً. ومع الحد الأدنى من الموارد، ومع طلبات الإصلاح العديدة، تحتاج فرق الصيانة إلى تطوير استراتيجيات فعالة وتحسينها حسب الحاجة.

 

لا تعتبر الصيانة الارتكاسية، عند ظهور الحاجة لها فقط، استراتيجية مقبولة هنا. فإصلاح المعدات المعطلة، وتلبية حالات الطوارئ حالة بعد أخرى، هي استراتيجية غير فعالة في الحقيقة، وتستهلك موارد كبيرة ويمكن أن تؤدي إلى إغلاق خطوط إنتاج كاملة. تبرز هنا الحاجة إلى تطبيق استراتيجية صيانة تنبؤية، تمكّن فرق الصيانة من التقاط المشكلات قبل أن تتحول إلى مشكلات مُكلفة للغاية تستغرق وقتاً طويلاً لإصلاحها.

* مدير قسم استشارات الحلول لدى إنفور لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here