مصدرالمستهلك من الرياض

 

تعتبر مدينة بخارى من أقدم مدن العالم تتمتع بالمعالم التاريخية الأثرية القديمة. وفي عام 1997م تم الاحتفال بمرور 2500 سنة لتاسيس المدينة على مستوى دولي.

لقد ورد اسم بخارى أول مرة من قبل المؤرخ نرشخي في القرن التاسع الميلادي. حسب كثير من المؤرخين وعلماء اللغة يرجع مصطلح (بخارى) الى كلمة سنسكريتية (وخارى) حيث تعني (قلعة). كما سميت المدينة في القدم بكلمتي (نوميجكات) و(فخيرة) أيضا. لقد كانت بخارى في القرون الوسطى مركزاً للحرفيين والتجارة حيث كانت تصدر المنتوجات التي صنعت هنا الى دول آسيا وأوروبا. وكان العرب يسمون بخارى بمدينة التجار او مدينة الصفرية  اي مدينة النحاس.

في عام 1996م أعلنت اليونسكو إدراج مدينة بخارى بقائمة التراث الثقافي العالمي وحمايتها.

كما كان المؤرخون والسياح يسمون بخارى بمدينة الشعر والأساطير. وفي كل شارع وحديقة .وخلاصة القول في أي منطقة من هذه المدينة العتيقة توجد فيها صدى وآثار للتاريخ القديم. وتظهر المآذن المرتفعة والآثار التاريخية القديمة ذكاء الانسان. لقد اشتهرت بخارى من مشارق الأرض حتى مغاربها كـ (متحف مكشوف ومرآة للتاريخ المجيد).

لقد عاش في قلعة (أرك) لبخارى القديمة ليس فقط الأمراء من الاسرة الحاكمة بل عاش وأبدع فيها العلماء العظماء والشعراء والفلاسفة الذين تركوا تراثا ثمينا للاجيال القادمة. وفي القرون الوسطى عندما ازدهرت حضارة بخارى عاش في قلعة (ارك) كل من رودكي وفردوسي وأبو علي ابن سينا والفارابي وعمر خيام وغيرهم. كتب ابن سينا عن تلك الفترة ما يلي: (لقد وجدت في المكتبة هنا كتبا لم أعثر على مثلها من قبل ولا من بعد حيث اطلعت عليها وكشفت أسرار العالم).

على اساس الحفريات الاثرية استنتج العلماء بأن هذه المدينة القديمة كانت في فترة قبل الميلاد لعبت دورا هاما في الحياة الاقتصادية والثقافية للمنطقة. كما أنه على اساس الدلائل التاريخية وانطلاقا من موقعها الجغرافي كانت بخارى تقاطعا مهما على طريق الحرير العظيم الذي كان يربط الصين بمدينة روما.

وتأتي في الحوليات بأنه انتشر الدين الاسلامي هنا بسبب الفتوحات الاسلامية. وبعد مرور الزمن قد تحولت بخارى الى مركز ديني مهم سميت بـ”بخاراى شريف” اى مدينة شريفة.

وتحدث في حياة اي دولة اودياراومدينة اومنطقة أحداث تكتب في صفحات التاريخ للأبد. وإن هذه الاحداث تكتب بالحروف الذهبية. ومن مثل هذه الأحداث هي اعلان استقلال جمهورية أوزبكستان (31 اغسطس 1991م) ويوم الاستقلال (1 سبتمبر 1991م) وانضمام أوزبكستان الى منظمة الامم المتحدة (2 مارس 1992م) وإعلان مدينة طشقند في عام 2007م عاصمةَ للثقافة الاسلامية وغيرها من الأحداث التاريخية. وعلاوة على ذلك نحن شهدنا أن مثل هذه الاحداث المهمة والمعترفة عالميا اصبحت اليوم حدثا تاريخيا وثقافيا للشعب الأوزبكي  .

وتدرج بخارى ضمن المدن القديمة التي أرست اسس للعلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والانسانية والدبلوماسية.

كما أن البلاد تحتل مكانة خاصة منذ القدم في تنمية الحضارة الانسانية ولا سيما الحضارة الاسلامية. لقد اعترف العالم والمنظمات الدولية بالمساهمة القيمة التي ساهم بها أجدادنا الأفذاذ في تطوير المجالات العديدة للعلوم والفنون والثقافة.

بعد حصول أوزبكستان على استقلالها أعير اهتمام خاص لإحياء التراث الثقافي الغني لأجدادنا وتطويرها. وتم تنفيذ الاعمال الكثيرة الرامية الى صيانة وترميم أضرحة العلماء والمشايخ. تمت إعادة أسماء العلماء العظام أمثال الامام البخاري والامام الترمذي وبهاءالدين نقشبندي والامام الماتريدي وبرهان الدين المرغلاني وأوّلي اهتمام خاص بدراسة تراثهم. هذا وتمت إعادة إعمار المساجد والمدارس مثل “مسجد كلان” و”شاه زنده” و”كوك قمباز” وغيرها. وإن كل هذه التغيرات يتم تقديرها واعترافها من قبل المجتمع الدولي.

إن إعلان مدينة طشقند من قبل الإيسيسكو التي تعتبر من المنظمات ضمن منظمة التعاون الإسلامي في عام 2007م عاصمة للثقافة الإسلامية يدل على تمتع أوزبكستان وخاصة عاصمتها طشقند مكانا مرموقا في تاريخ الحضارة الإسلامية.

  

        إن هذا التقليد الذي دشن من عام 2005م يهدف الى تطوير العلاقات الثقافية بين الدول الإسلامية ودراسة ورعاية التراث العلمي والمعنوي والتاريخي والمعماري للحضارة الإسلامية وتعزيز الحوار بين الأديان والحضارات ودعم جهود الدول المختلفة في هذا الاتجاه.

        إن اعلان مدينة طشقند في عام 2007م عاصمة للثقافة الإسلامية هو بالغ تقدير واحترام  ليس فقط حيال طشقند وأوزبكستان فحسب بل لشعبنا.

        كما يدل اعلان طشقند عاصمة للثقافة الإسلامية بعد مرور 3 سنوات من تطبيق التقليد المشار اليه يدل عل أن طشقند تتمتع بسمعة عظيمة ليس فقط في آسيا بل العالم اجمعه.

أعلنت الايسيسكو في عام 2015م مرحلة جديدة لاختيار المدن  الاسلامية عاصمة  للثقافة الاسلامية. وبناء عليها سيتم إعلان عدد المدن من الدول الأعضاء عاصمة للثقافة اللاسلامية خلال الفترة 2015-2025م.

إن هذا الحدث التاريخي نال الاعجاب داخل جهورية أوزبكستان وخارجها وألهم الفخر لدى شعبنا وممثلي الدوائر العلمية . وحسب القرار المتبع عليه ستختار منظمة التعاون الاسلامي سنويا 3 من المدن الاسلامية عاصمةَ للثقافة الاسلامية حيث ستكون واحدة منها من الدول العربية وثانيها من الدول الأسيوية وثالثها من الدول الافريقية.  

وخلال الاجتماع التاسع لوزراء الثقافة للدول الاسلامية الذي عقد في باكو فإنه تم اختيار كل من مدن بخارى (أوزبكستان) والقاهرة (مصر) وباماكو (مالي) عواصم للثقافة الاسلامية في عام 2020م.

ومنذ عام 2005م حين بدأت هذه المبادرة لقد استحقت هذا اللقب السامي مدينتي لأوزبكستان وهي طشقند وبخارى. ولم نخطئ إذا قلنا بأن هذا من جهة تقدير عال لتاريخنا ومن جهة أخرى هو فخر وشرف لجميع مواطنينا وشعبنا.

وجاءت في الأخبار حول الإعلان ما يلي: في الحقيقة كانت بخارى الشريفة على مرور  القرون الطويلة عاصمة للثقافة الاسلامية. وليس من باب الصدفة تسميتها بقبة الإسلام. وإن إعلان هذه المدينة من قبل المنظمة عاصمة للثقافة الاسلامية يعتبر دليلا آخرا لمساهمتها وعلمائها الذين انحدروا منها خلال القرون العديدة في الحضارة الاسلامية.

وتجدر الاشارة الى أنه من بين 4 مدن تحمل لقب (شريف) تعتبر أحد منها مدينة بخارى الشريفة. وهناك مثل  في الشرق يقول   (تعتبر سمرقند مركزا للعالم وبخارى قوة للدين الاسلامي). واعتزازا ببخارى الشريفة قد ألّف كثير من الشعراء والعلماء والمفكرون والمتصوفون والسياح والسفراء والمؤرخون مؤلفاتهم الجغرافية القيمة.

وترأس بطريقة (خواجكان) صوفية  في بخارى خلال سنوات 1103-1389 (قرون 12-14) الميلادية سبعة أولياء كبار الذين أشهروا سمعة بخارى الى العالم الاسلامي والعالم كله بالتسلسل.

وكانت تزامن تلك الفترة بانتهاء ظلم وطغيان المغول التي كانت تنتشر الى بلاد ما وراء النهر وخراسان ووسط آسيا حيث كانت تشهد بلاد ما وراء النهر النهضة المعنوية والثقافية بقيادة التيموريين.

ويجب الاشارة بشكل خاص أنه في يومنا هذا أيضا يولى   رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيائيف اهتماما بالغا بالتراث التاريخي والديني حيث بدأ فخامته زياراته الأخيرة الى محافظة بخارى بتفقد ضريح بهاءالدين نقشبند. وتم التاكيد خلال هذه الزيارة بأن  مثل هذه الأضرحة  في بخارى (تستوجب زيارتها وهي سعادة عظيمة). لقد اكد   الرئيس بأن أعمال الصيانة المخططة لم تدرس بعمق وقدّم التوجيهات بتحسين أضرحة سبعة أولياء وتكميل مشروع ربط الطرق  بعضها بالبعض.

تقوم أوزبكستان حاليا بأعمال لا مثيل لها في مجال تطوير السياحة وجذب السياح الى مدن بخارى وسمرقند وخيوه التي تعتبر لؤلؤة البلد. لقد تم اصدار مرسوم رئيس أوزبكستان حول اتخاذ الاجراءات الاضافية للتطوير السريع لمجال السياحة في أوزبكستان حيث بناء عليه تمت الموافقة على مبدأ تنمية السياحة والاجراءات الأخرى خلال الأعوام 2019-2025. ومن 1 فبراير 2019م تمت زيادة عدد الدول التي يستطيع مواطنوها الحصول على التاشيرات الاليكترونية كما يستطيع رعايا 45 دولة في العالم  الدخول الى اوزبكستان لمدة 30 يوما بدون تاشيرة.

بالاضافة الى ذلك واعتبارا من 15 مارس 2019م تم تدشين نظام أنواع التاشيرات الاليكترونية الصالحة لمدة 30 يوما بالاضافة الى الفئة الاضافية من التاشيرات لمواطني بعض الدول الخارجية. وبالطبع إن تسهيل نظام التاشيرات الى مواطني الدول الأجنبية سيسهم في زيادة عدد السياح الى البلد.

وتتم الآن في القسم التاريخي لبخارى أو كما قال  الرئيس في “قلب المدينة” تتم فيها أعمال البناء الضخمة حيث ستنشأ هنا حي الحرفيين كما كان في القرون الوسطى وسيتم اعادة إعمار مدرستي (باي كلان) و(مير عرب). كما سيتم توسيع شارعي (حقيقت) و(نورآباد) حيث سيتحولان الى الميادين السياحية.

وأما السياح الذين يتواجدون حاليا في المدينة فيستطيعون اليوم زيارة شارع الحرفيين ويشترون الأشياء التذكارية ويطلعون على أعمال الحرفيين.

بالاضافة الى ذلك سيتم في هذه السنة إعادة إعمار الآثار التاريخية في مجمع (باي كلان) ومدارس عبدالعزيز خان وأولوغبيك ومير عرب. كما سيتم تحديث قلعة (أرك) وهي رمز آخر لبخارى. ويخطط أيضا صيانة الساحة الداخلية للقلعة.

ويضم مبدأ تطوير السياحة في المحافظة تنفيذ 61 مشروع حيث سيتم بناء 44 فندق في بخارى و10 حديقة وسيتم شراء الحافلات السياحية الحديثة وستنظم الرحلات السياحية الجديدة.

لا نبالغ اذا قلنا إن السياحة تتحول الى المجالات الرائدة لفروع الاقتصاد. وفي هذا الشأن تتمتع محافظة بخارى مقدرة هائلة جدا. ويكفي الذكر هنا أنه في بخارى وحدها تم إدراج 660 مكان تاريخي الى قائمة التراث الثقافي المادي.

وأصبح قرار رئيس جمهورية أوزبكستان بتاريخ 19 مايو 2017م (حول الاجراءات الرامية الى التطوير السريع للمقدرة السياحية لمدينة بخارى ومحافظتها خلال الأعوام 2017-2019م) وقراره  بتاريخ 16 أغسطس 2017م (حول الاجراءات الأولية لتطوير مجال السياحة خلال الأعوام 2018-2019م) خطوة هامة في تنفيذ هذه الامكانات. وبناء على هذين القرارين تم وضع الاجراءات لتوفير الظروف الملائمة للسياح القادمين الى بلادنا وتحسين الخدمات المقدمة لهم.

لقد تم تخصيص 10 هكتار من الأراضي وذلك لبناء منطقة (بخارى القديمة) السياحية التي تضم الفنادق الجديدة والاماكن الترفيهية والمسرح المكشوف المخصص لـ 500 مشاهد حيث يتم تنفيذها بالتعاون مع المهندسين الأجانب.

كما يتم حاليا بناء مركز الحرفيين في حدود سوق (شهرستان) السابقة بمدينة بخارى وإعادة إعمار أضرحة كل من خوجه عبدالخالق غجدواني وخوجه عارف الروقري وخوجه محمود أنجير فغنوي وخوجه علي راميتاني  وخوجه محمد باباي سماسي وسيد أمير كلال وخوجه بهاء الدين نقشبند ومجمع (تشار بكر). وبهدف الدعاية الواسعة للمقدرة السياحية للمنطقة يتم إجراء المهرجانات مثل (الحرير والبهارات) و(يوم مدينة بخارى) و(مهرجان الشمام) و(حرفيي بخارى) وغيرها.

هذا ويتطور التعاون مع الدول الخارجية وخاصة تم التوقيع على اتفاقية التآخي بين بخارى ومدينتي (لويان) الصينية و(فلاديمر) الروسية. وتجري المفاوضات في هذا الاتجاه مع كل من اسبانيا واليابان وسنغافورة واندونيسيا وماليزيا وروسيا ولاتفيا وتركيا.

وبهدف تنفيذ قرار رئيس أوزبكستان بتاريخ 13 اغسطس 2019 حول تطوير مجال السياحة تقوم لجنة تطوير السياحة لجمهورية أوزبكستان مع شركة (مطارات أوزبكستان) لاقامة علاقات التعاون من شركات الخطوط الجوية الأجنبية.

صدر  خلال 3 سنوات  أكثر من 30 مرسوم وقرارات تهدف الى تطوير مجال السياحة في البلد ليزداد عدد السياح القادمين الى بخارى ايضا. وخلال 7 أشهر من العام 2019م زاد عدد السياح من 2 مليون سائح (والسياح الاجانب منهم 250 الف) زاد بـ 2.2 مرة بالمقارنة مع عام 2018م.

وفي يومنا الراهن بغية تقديم خدمات النقل الجيدة للسياح القادمين الى محافظة بخارى يتم اتخاذ الأعمال الرامية الى توفير حركات المواصلات داخل مدينة بخارى وأضرحة (سبعة أولياء).

وحسب الاحصائيات لقد ازداد عدد الأفراد الذين اصبحوا عضوا في اتحاد “هنرمند” (الحرفي) بـ 3.1 مرة ليصلوا 3125 عضوا. وتم اتفاق مع 383 شركة للاستفادة من الأماكن السياحية في مركز بخارى التاريخي.

وبالاضافة الى ذلك وفي اطار برنامج (سيروا في بخارى) يتم إقامة الرحلات للمواطنين وأعضاء اتحاد الشباب وممثلي الشركات والمزارع.

وبمناسبة اعلان بخارى عاصمة للثقافة الاسلامية يخطط في الجمهورية وخاصة في مدينة بخارى في عام 2020م  تنظيم عدد من الندوات والمؤتمرات والانشطة الاخرى وإجراءها في أفضل وجه.

وفي إطار هذه الخطط هناك اتاحة الفرص للدراسة المشتركة من المخطوطات النادرة التي تتحدث عن تاريخ بخارى وثقافتها والعلوم وتاريخ الدين الاسلامي التي تحتفظ في مكتبات جمهوريتنا وخارجها. وفي اطار دراسة التراث الاسلامي سيتم تنفيذ عدد من الأعمال في مركز الامام البخاري الدولي للبحوث والدراسات بمدينة سمرقند ومركز الحاضرة الاسلامية  في مدينة طشقند. كما يتم بحث ودراسة آفاق تطوير السياحة والثقافة والعلوم والتعليم في بلادنا بما فيها  في مدينة بخارى.

فخر الدين باربيوف/    خاص بالمستهلك من وكالة الانباء “الدنيا”-

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here