مصدرد. عبدالرحمن الطريري

خلال العقود الماضية، ومع طفرة أسعار البترول حدث تحول واضح في حياة كثير من السعوديين، وذلك بتوافر السيولة في أيديهم، وأحدثت الوفرة تغيرا في سلوك الناس، وحياتهم، حتى انعكس ذلك على المأكل، والمشرب، والملبس، والسكن مساحة وتصميما، وأثاثا، وسياحة داخلية، وخارجية، وهذه أمور طبيعية من حق أي إنسان أن يحققها طالما توافرت لديه الإمكانية، وتمت بصورة منطقية، لا إسراف فيها، إلا أن الواقع يشهد خلاف ذلك؛ إذ يعشق البعض الصرف بتبذير، وإسراف خارج عن المنطق، ومضر باقتصاد الأفراد، والوطن على المدى البعيد إن لم يكن القصير.
كثيرة الظواهر التي تلفت الانتباه بقوة في أسواقنا، ومنها التدافع الشديد الذي تنقله وسائل التواصل الاجتماعي أمام المحال التجارية التي تعلن عن عروض، وسلع مخفضة، حتى إن المراقب يخيل إليه أن المحل يوزع البضاعة مجانا، وقد لفت انتباهي الجموع الغفيرة التي تجمعت أمام محل بيع مواد استهلاكية: ورقية، وبلاستيكية، وقصدير وغيرها، حتى إن المشهد ليوحي بأن البيوت فارغة، ولا يوجد فيها ما تحتاج إليه الأسر، ومهما كان انخفاض سعر السلع المعروضة فهل يقتضي الأمر التجمع بهذه الصورة غير الحضارية؟! إذ لا انتظام، ولا تقديم لمرأة، أو تقدير لكبير، كما تنقل الصورة.
يبدو أن شهية الشراء مع قرب رمضان تحركت لذا يجد الناس في هذه العروض فرصة لإشباعها، وبما ينسجم مع ثقافة رمضان التي تحولت للاهتمام بالمأكل، والمشرب الزائدين عن الحاجة، ويتساءل المرء أمام هذه المشاهد عن توافر الشروط الصحية في هذه السلع؛ إذ إن كثيرا ما نفاجأ بأخبار غير سارة عن هذه السلعة، أو تلك بشأن عدم توافر الشروط الصحية، فخلال عقود ولا تزال انتشرت أواني الميلامين في أسواقنا، وأصبحت جزءا من الأثاث المنزلي، دون أن نعلم أضراره، إلا فيما بعد، وخطورة الميلامين تتمثل في اشتماله على مادة اليوريا الحمضية الضارة بجسم الإنسان، حيث تتحلل بفعل الحرارة، أو بتفاعلها مع أطعمة حامضة؛ ما يسبب أضرارا بالغة بجسم الإنسان.
أواني التيفال من خصائصها عدم التصاق الطعام بها ما يسهل تنظيفها، إلا أنها مصنعة من مادة الألمنيوم، ومغطاة بمادة الببوليمر، وخطورة هذه المادة أنها تنتج عنها أبخرة سامة عند تعرضها للحرارة، وهذه الأبخرة مضرة بصحة الإنسان، والبيئة على حد سواء.
إلى وقت قريب المطاعم ومحال بيع الفول تضع الطعام في أكياس بلاستيكية، ولم يكن يعلم أحد بأضرار هذه الممارسة، إلا أن توعية الأطباء، والمتخصصين في الكيمياء، ودخول متخصصين للعمل في الجهات الرقابية أوجدت وعيا تم بموجبه المنع البات لهذه الممارسة.
في محاولة لتفسير حمى الشراء التي لا يكاد يمضي أسبوع إلا ونشاهد صورة حية أمام محل تجاري في إحدى مدننا، وأول ما خطر ببالي رخص ثمنها، إذ إن ثمن الدرزن – كما يتم تداوله – خمسة ريالات، وبعضها يصل إلى ريالين، وربما يناسب السعر كثيرا من الناس ليوفر عليهم شيئا من المال ليتم استخدامه في مجالات أخرى، كما أن من الأسباب المتوقعة أنه مع قرب رمضان الحاجة ماسة إلى توفير جهد الغسيل للأواني العادية؛ فيتم الاستخدام اليومي لهذه الأواني، ومن ثم يتم التخلص منها.
رخص الثمن بحد ذاته يثير تساؤلات مثل هل هذه الأواني صناعة وطنية، وتنطبق عليها المواصفات، والمقاييس الوطنية؟ وهل فيها خلل تصنيعي، أم هي صناعة خارجية مخالفة للشروط الصحية، ورفضتها أسواق الدول الأخرى لتصل إلى أيدينا، وندفع فيها مالا وشيئا من صحتنا؟! أعتقد أن تقنية دعاية التخفيضات، وعروض الأسعار نجحت في إيجاد الشعور بالحاجة، وفي الحقيقة لا توجد حاجة، وهذا ما نشاهده من تسابق الناس، ووقوفهم أمام المحال قبل فتحها، وخلو الأرفف مما فيها خلال ساعات؛ ما يعني أن هوس الشراء بالتخفيضات أصبح جزءا من مشاعرهم، حتى أصبحوا يشترون ما لا يحتاجون إليه، وأكثر مما يحتاجون إليه.
سؤال رأيت ضرورة طرحه، وبقوة؛ هل الجهات المعنية كوزارة التجارة، وهيئة المواصفات والمقاييس، وهيئة الغذاء، والدواء، والأمانات، والجمارك، كل في اختصاصه تأخذ عينات من هذه السلع، وتفحصها في مختبراتها، حتى نضمن سلامة المواطن من الآثار السلبية لها، خاصة ذات الأسعار المخفضة جدا؟!

نقلا عن الاقتصادية

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here