من وجهة نظر عديد من المختصين والمحللين الاقتصاديين، فإن العام الجاري قد يشهد ارتفاعا في أسعار الذهب، فالتحفيز الصيني لإنقاذ الاقتصاد الوطني من التراجع، وعدم اليقين السياسي الذي يتعزز في مناطق مختلفة من العالم، والاضطرابات الاجتماعية التي تجتاح بعض الدول الأوروبية الكبرى، والاعتقاد الذي يرجح أن دورة رفع سعر الفائدة قد وصلت إلى ذروتها، جميعها عوامل خلقت أجواء من التفاؤل بشأن الذهب وأسعاره في عام 2019.
وأنهى المعدن الأصفر عام 2018 بارتفاع، متغلبا على الأسهم وكثير من السلع العالمية، واحتل المرتبة السادسة بين الأصول الاستثمارية طلبا، حيث كانت أحجام التداول اليومية في الذهب مماثلة تقريبا لمبيعات الشركات المدرجة في مؤشر ستاندرد بورز للبورصة الأمريكية.
ويقول مالون مارك المحلل المالي في بورصة لندن لـ “الاقتصادية”، “إن الدولار فقد نحو 1.7 من قيمته في الأسابيع الأربعة الماضية، ولذلك هناك احتمال كبير أن يشهد الدولار تراجعا خلال هذا العام، وهذا اتجاه إيجابي للمعدن الأصفر ويعزز الطلب عليه”.
وقد يبدو هذا الاتجاه واضحا في تجاوز متوسط التداولات في الـ 50 يوما الماضية ذات المتوسط في الـ 200 يوم السابقة، ما يؤشر إلى أن الأسواق تسير في اتجاه صعودي بالنسبة إلى الطلب على الذهب.
ويتوقع بنك “جولدمان ساكس” أحد أبرز المؤسسات المالية المؤيدة لفكرة ارتفاع أسعار الذهب هذا العام، أن تكون معدلات رفع “الفيدرالي الأمريكي” أسعار الفائدة أقل من المتوقع، وستتراجع قوة الدولار، بما يصب في مصلحة الذهب، وحث البنك المستثمرين على زيادة الذهب في محافظهم الاستثمارية، ورفع توقعاته السعرية للمعدن الأصفر في الـ 12 شهرا المقبلة من 1350 دولارا للأونصة إلى 1425 دولارا، وهو المستوى الذي شوهد آخر مرة بالنسبة إلى الذهب في آب (أغسطس) عام 2013.
ويعتقد نيل جون باحث سابق في مجلس الذهب العالمي أن تلك التوقعات تحظى بدرجة عالية من الثقة والدقة، ويضيف لـ “الاقتصادية”، أن “الذهب سيكون الدرع التي سيلجأ المستثمرون إليها هذا العام، للتحوط من التغيرات العنيفة التي تنتاب الأسواق، فهناك تنام للقوى التي ترفض العولمة وحرية التجارة لمصلحة الأصوات التي تطالب بمزيد من الحمائية التجارية، وغالبا ما يترافق ارتفاع معدلات التضخم مع الحمائية الاقتصادية، وإذا تراجع معدل النمو العالمي وارتفعت معدلات التضخم خاصة في الصين والهند وأوروبا والولايات المتحدة، فإن الذهب سيكون الأصل الاستثماري الوحيد القادر على مواجهة تلك التطورات السلبية”.
وبصرف النظر عن سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي تجاه أسعار الفائدة الأمريكية، فإن تدهور استقرار الأسواق المالية العالمية، والإصلاحات الاقتصادية الهيكلية ستدعم الطلب على المعدن الأصفر هذا العام.
إل. دي. جورج المختص الاستثماري في صندوق التحوط البريطاني بالياسني لإدارة الأصول يرى أن “الإصلاحات الاقتصادية التي من المتوقع أن يقوم بها عديد من الاقتصادات الناشئة في عام 2019، بهدف تحسين الأداء الاقتصادي في ظل المتغيرات الدولية الراهنة، ستزيد الطلب المحلي بشكل كبير على الذهب، فغالبا ما تكون هناك مشاعر سلبية من قبل المستهلكين تجاه عمليات إعادة الهيكلة الاقتصادية، فيتحوطون بزيادة أرصدتهم الدولارية أو اقتناء المعادن النفيسة وفي مقدمتها الذهب، ولأن الدولار تحيط به الشكوك بأن يشهد ارتفاعا كبيرا في قيمته هذا العام، فسيكون الاتجاه السائد في مصلحة اقتناء الذهب، كما أن تلك الإصلاحات إذا بدأت في إحراز نتائج إيجابية، وحسنت من مستويات معيشة المستهلكين فستزيد من الطلب على الذهب أيضا”.
وتشكل الأسواق الناشئة 70 في المائة من مستهلكي الذهب في العالم، وإذا نجحت الصين على سبيل المثال في المضي قدما في مبادراتها المعروفة باسم “الحزام والطريق”، فإنها ستسهم بشكل كبير في تعزيز التنمية الاقتصادية، وتحديث البنية التحتية، وزيادة الاستهلاك لدعم مناطق لم تكن مدمجة بشكل كبير في المنظومة الاقتصادية.
وبتحسن مستوى معيشة سكان المناطق التي سيمر بها مشروع “الحزام والطريق” فإنه من المتوقع أن يزيد طلبهم على المعدن الأصفر، كما أن الهند تعمل على تنشيط اقتصادها عبر خفض الحواجز أمام التجارة، ما رفع معدلات النمو العام الماضي إلى 7.5 في المائة.
باختصار فإن، عديدا من العوامل الهبوطية التي احتجزت المعدن النفيس ومنعته من الارتفاع سابقا، تحولت الآن بشكل ملحوظ لتصب في مصلحته، فعلى سبيل المثال أزمة الديون السيادية التي هيمنت على أوروبا تراجعت.
ورغم تحسن أداء الاقتصاد الأوروبي، فإنه لم يصل بعد إلى مستوى الاقتصاد الأمريكي، وهو ما يدفع الأوروبيين إلى إضافة الذهب بشكل ملحوظ إلى محافظهم الاستثمارية، وتتعزز إضافة الذهب إلى المحافظ الاستثمارية الأوروبية في ضوء الاضطرابات الاجتماعية التي تشهدها فرنسا، كما أن الاستقرار السياسي لا يزال بعيد المنال في إسبانيا.
ولا تخفي الحكومة الشعبوية في إيطاليا معارضتها الاتحاد الأوروبي وسياساته، خاصة فيما يتعلق بنسبة العجز في الميزانية، كل تلك العوامل تضمن للذهب أرضية جيدة لإقبال المستهلكين الأوروبيين على اقتنائه هذا العام.
ويشير بعض المضاربين في بورصة لندن إلى ضرورة أخذ العوامل التكنولوجية وتأثيرها في الطلب على المعدن الأصفر في الحسبان أيضا، وكذلك طلب البنوك المركزية لشراء الذهب لتنويع احتياطاتها، خاصة أن طلب البنوك المركزية على الذهب خلال العام الماضي كان في أعلى مستوى له منذ عام 2015.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here